محمد بن يزيد المبرد
441
المقتضب
فإن قال قائل : فإذا قلت : « ما أحسن زيدا » ، فكان بمنزلة : شيء حسن زيدا ، فكيف دخله معنى التعجّب ، وليس ذلك في قولك : « شيء أحسن زيدا ؟ قيل له : قد يدخل المعنى في اللفظ ، ولا يدخل في نظيره . فمن ذلك قولهم : « علم اللّه لأفعلنّ » . لفظه لفظ : رزق اللّه ، ومعناه القسم . ومن ذلك قولهم : « غفر اللّه لزيد » ، لفظه لفظ الخبر ، ومعناه الدعاء . ومن ذلك أنّك تقول : « تا للّه لأفعلنّ » . فتقسم على معنى التعجّب ، ولا تدخل التاء على شيء من أسماء اللّه غير هذا الاسم ؛ لأنّ المعنى الذي يوجب التعجّب إنّما وقع هاهنا . وكلّ ما لزمه شيء على معنى ، لم يتصرّف ؛ لأنّه إن تصرّف ، بطل ذلك المعنى ، وصار بمنزلة الأفعال التي تجري على أصولها ، ولم يدخلها من المعنى أكثر من ذلك . * * * فإن قال قائل : أرأيت قولك : « ما أحسن زيدا » ! أليس في التقدير والإعمال - لا في التعجّب - بمنزلة قولك : « شيء حسّن زيدا » ، فكيف تقول هذا في قولك : « ما أعظم اللّه يا فتى » ! و « ما أكبر اللّه » ؟ قيل له : التقدير على ما وصفت لك . والمعنى : « شيء عظّم اللّه يا فتى » ، وذلك الشيء الناس الذين يصفونه بالعظمة ، كقولك : « كبّرت كبيرا » ، و « عظّمت عظيما » . فإن قال قائل : فينتصب هذا من حيث انتصب « زيد » . قيل له : لا شيء من الأفعال ينتصب على معنى الآخر بأكثر من الفاعل والمفعول به . ألا ترى أنّك تقول : « شتمت زيدا » ، « أكرمت عمرا » ، فالفعل الناصب جنس واحد ، والمعنى مختلف ، وليس شيء يخبر به عن اللّه - عزّ وجلّ - إلا على خلاف ما تخبر به عن غيره في المعنى ، وجنس الفعل واحد في الإعمال . فمن ذلك ما أذكره لك ليدلّ على سائره إن شاء اللّه . وهو نحو قولك : « رحم اللّه الناس » ، و « رحم زيد عمرا » ، ف « الرحمة » من « زيد » رقّة وتحنّن ، واللّه - عزّ وجلّ - يجلّ عنها . وكذلك : « علم اللّه » ، وهو العالم بنفسه . وتقول : « علم زيد علما » ، وإنّما ذلك علم جعل فيه ، وأدب اكتسبه . وكذلك جميع ما تخبر به . وإذا كان « زيد » مفعولا قلت : « لقيت زيدا » ، و « رأيت عمرا » ، وتقول : « ذكرت اللّه » . فإنّما تعني أنّ ذكرك كان لهذا الاسم ، وكذلك : « دعوت اللّه » . فمخارج الأفعال واحدة في الإعمال ، والمعاني تختلف . فعلى هذا يجري التقدير فيما ذكرت لك . * * *